السيد محمد تقي المدرسي
170
فقه الخلل وأحكام سائر الصلوات
يأمر بالسعي إلى صلاة الجمعة يأمر بالإنتشار لممارسة الحياة الطبيعية وبلوغ المآرب والأهداف ، والحصول على الرزق ولقمة العيش . وإنّ الدعوة للصلاة يوم الجمعة وتحريم البيع حينها هي منهجية لتأسيس انتشار الإنسان المؤمن لابتغاء فضل الله على هدى القيم والإيمان : ( فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ ) وهذه الدعوة المنطوية على الأمر بالسعي لشؤون الدنيا تهدينا إلى أنَّ الصلاة والعبادة ليست بديلًا عن ممارسة الحياة الطبيعية والاجتماعية ، كما فهمها بعض المتصوّفة ، فالدين منهج لتوجيه الإنسان وقيادة الحياة ، يجد الناس فيه فرصة للعبادة ومنهجاً للسعي والعمل . وبعد أنْ يرسم الوحي للمؤمنين الموقف المطلوب تجاه صلاة الجمعة - وهو السعي لذكر الله وترك البيع وقتها - ينثني السياق القرآني لنقد ظاهرة الإنفضاض إلى شؤون الدنيا وتقديمها على الصلاة ، ممّا يشير إلى وجود ضعف في الإيمان لدى المجتمع ، وانخفاض في مستوى التفاعل مع شعائر الدين وبرامجه : ( وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً ) خوف أنْ يفوتهم ذلك أو يسبقهم الآخرون إليه ، وهذه الظاهرة تنطوي على هزيمة أمام جموح النفس وميلها العظيم للدنيا ، ممّا يكشف عن ضعف الإيمان الذي يريده الإسلام مقدّماً وما يتصل به على كلّ شيء في حياة أبنائه . ويعالج القرآن هذه الظاهرة السلبية التي تتمّ عن ترجيح التجارة واللهو على حضور الصلاة ببيان أنّ ما عند الله الذي يتأتّى بالتزام مناهجه خير من ذلك كلّه . وتفضح الآية ذلك الاعتقاد بالتناقض بين الالتزام بالدين وبين الدنيا ، والذي يقع فيه البعض عمليّاً فلا يرون إمكانية الجمع بين الاثنين فيرجّحون